الارشيف / Top 10 / لبنان 24

كتبت نانسي رزوق: @nancyrazzouk #lebanon24

دولارنا ليس ككل الدولارات. يملك من السطوة ما ليس لسواه. فهو منذ عقود يحدد السياسات المالية كما له اليد في تشكيل ملامح مصائرنا مجتمعين. منذ نحو عام، بدأت الأزمة المالية اللبنانية تلوح في الأفق. لكن وكما عادتنا، كانت السلطة في وارد الإنكار للتغطية عن حجم المصيبة القادمة ودورها الأساسي فيها.

أما اللبنانيون فإن إنكارهم لم يكن إنكار من يعلم بالمصيبة، بقدر ما كان من النوع الذي يؤجل التكفير في الكارثة أو يحاول القفز عنها.

لكن ما يحصل اليوم جعلنا نواجه المصيبة بكل تفاصيلها القبيحة. كأننا استحققناها أخيراً، حيث لا ينفع الندم ولا مؤاخذة النفس. فمدخراتنا في خطر، والوضع المعيشي متفاقم السوء، وإدارة مالية جديدة لكنها تقرأ من نفس كتاب الحكومات السابقة، وتحركات شعبية بعضها عفوي والبعض الآخر كما العادة مدروس التوقيت والغايات، فضلاً عن حجر منزلي إلزامي يهدد مئات آلاف العائلات في لقمة قوت يومها.


منذ نحو ستة أشهر لم يتوقف الدولار عن اتخاذ منحى تصاعديا في حين تخسر الليرة من قيمتها الشرائية بشكل فظيع. أما التدخل الحكومي، سواء عبر وزراء أو جهات سياسية وكذلك مصرف لبنان، فمن الواضح أنه يفاقم الوضع سوءاً.

فبينما أصدر البنك المركزي قراراً يلزم فيه صرف التحويلات الخارجية بالعملات عبر مكاتب الخدمات المالية، بالليرة اللبنانية وفق سعر 2800 في وقت تخطت قيمة الدولار في السوق الموازية 3330 ليرة.

هذا الأمر يدل إلى أن مصير الناس متروك بشكل جلي للمضاربات المالية، تماماً كما حدث معهم قبل أكثر من عشر سنوات، عندما تركوا لسوق المضاربات العقارية، التي أسفرت عن نتائج جنونية في أسعار الشقق والإيجارات قياساً إلى المداخيل وحصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

اليوم نحن متروكون لمصيرنا السيء على أي حال، من دون أن يقدم المعنيون أي حلول جذرية مخافة الصدام السياسي. هذا الصدام الذي يتحاشونه غير آبهين بردات فعل اللبنانيين تجاه الفقر والجوع، وأن السلام المؤقت لن يلبث أن يتحول إلى معارك طاحنة.

يبدو أن الغاية من قرار المصرف المركزي الأخير هو الإطاحة بآخر نوافذ المعيشة عن جزء من اللبنانيين الذين يعتمدون على أموال العائلات المغتربة، حيث تعينهم التحويلات على تلبية التزاماتهم المالية، وحتى العائلات القريبة منهم التي تدهورت أحوالها نتيجة الأزمة الحالية، إضافة إلى جعلهم يتكبدون خسائر إضافية نتيجة فروقات سعر الصرف بين المركزي والسوق السوداء.

حسناً، ما الحل؟ ما يجري على الأرجح هدفه إلزام اللبنانيين بإعادة ضخ الأموال إلى البنوك عبر نسف كل الممكنات الأخرى، كأنه يتم إجبارنا على قبول ما بتنا نرفضه بسبب تضعضع ثقتنا بالقطاع المصرفي. كأنهم يقولون لنا: "أنتم مجبرون على وضع أموالكم عندنا، وإن كنتم لا تثقون بنا! أما مصير هذه الأموال فمتروك لنا أيضاً، من الضرائب على السحوبات وآلية السحب والفائدة والتحويل".

كل هذا يحصل، فيما السوق المالي الأسود يسير بالتساوي مع السوق التجاري الفاجر، حيث الأسعار تلامس الجنون، واللبنانيون متروكون لكورونا والجوع... والمزايدات السياسية!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى